Monthly Archives يونيو 2018

في وداع تركي السديري

يمكن لمن عرف تركي السديري عن قرب، وخبر مكارمه وسجاياه، كما عرفته أنا طيلة ستة وثلاثين سنة، وخبرت تلك المكارم والسجايا في ذات شخصية نادرة، أن يتحدث عن انحيازات فطرية عنده. فقد كان بداية منحازاً إلى الحقيقة والحق والعقلانية والتقدم، وهذا واضح من الخط العام لجريدة «الرياض» في عهده، وبخاصة من تلك المقالات التي حملت توقيعه في الصفحة الثانية من الجريدة، والتي إذا جُمعت اليوم شكلت ملمحاً من ملامح التاريخ السعودي والعربي المعاصر. وهي مقالات تبرز «أباعبدالله» حكيماً وأديباً معاً، بل معلّماً للعقل والأدب كما يقال عادة عن الجاحظ. ورغم أنني طلبت مراراً منه أن أتولى بنفسي اختيار مجموعة من تلك المقالات لإصدارها عن أحد دور النشر في بيروت، إلا أنه لم يوافق مرة على هذا الأمر.

وحبذا لو عمدت «الرياض» اليوم إلى ذلك، لسلم للقارئ كتاب ليس كمثله كتاب. ويكفي أن يكون واضعه الصحافي الكبير الذي كان يخفي أديباً كبيراً.

كثيراً ما تساءلت عن سر تلك الشخصية الساحرة لتركي السديري وعن سر تلك السجايا المبثوثة في ذاته والتي لا يخطها كل من اقترب منه أو تعامل معه. يكن للكثيرين من مريديه وأصدقائه أن يدلوا بشهاداتهم وأن تؤلف هذه الشهادات نقطة انطلاق لكتاب عن الراحل الكبير، ولكنني وجدت هذا السر في انتسابه إلى أسرة كريمة عريقة تربى فيها على الفضائل فباتت هذه جزءاً من تكوينه، لم أعرف في حياتي إنساناً في مثل نقائه وصفائه وسيرته، كان أكبر الناس في عيني وعندما أتذكره الآن استدعي عبارة «الإنسان الكامل» لبعض فلاسفة العرب القدماء، كان إنساناً كاملاً شريفاً طاهر النفس مؤمناً بخالقه وبرسوله وكل القيم التي تربى عليها، وهي تلحقه بقافلة الأطهار والأحرار.

كانت «الرياض» في أيامه منبراً للسياسة والفكر والأدب، جريدة سياسية وطنية وقومية معاً، كما هي منبر للأدب والثقافة، أوكل تركي السديري صفحاتها الثقافية لنخبة من الأدباء والشعراء والمثقفين، وفتحت الجريدة أبواب هذه الصفحات للأدباء والشعراء والمثقفين العرب إلى أي مذهب فكري أو أدبي انتموا، وعلى صفحات «الرياض» يجد المرء معارك الأقلام ونبض التيارات الحديثة وتيارات الحداثة في آن، كان منحازاً للحديث كما كان موفراً للقديم، شأن كل من يعرف قوانين الحداثة وأصولها، وكان متابعاً لتيارات فكرية وأدبية معينة، كثيراً ما أوصاني على كتب تراثية وإرث حول موضوعات معينة، وكثيراً ما طفنا معاً، معرض الكتاب السنوي في القاهرة، لسنوات طويلة، يختار منه ما يحلو له، ولم أزر الرياض مرة إلا واتصلت به من بيروت مسبقاً لأسأله عن الكتب التي يريد، وقبل سنتين، وفي آخر لقاء لي معه في «الرياض»، كان من جملة الكتب التي أحضرتها له كتاب عن «الديارات» في التراث العربي، فلما وصل إليه قال لي: «هذا الكتاب سبق أن أحضرته لي» وكثيراً ما استمعت إليه في مجالس أدبية في القاهرة أو الرياض أو بيروت، أو سواها، فأنصت إليه وأستمتع وأستفيد، وأتمنى لو أتاح له وقته أو ظرفه أن يولي الأدب أكثر مما أولى.

وأقف الآن أمام ذكراه متحسراً مترحماً على تلك النفس الأدبية الشريفة وعلى تلك الخصال والسجايا التي يندر أن تجتمع في شخص واحد، وأتساءل كما تساءل العقاد أمام ضريح أحد أحبائه: أكلُّ هذا للتراث؟ آه من هذا التراب!