Monthly Archives أكتوبر 2000

وجها لوجه

صلاح فضل وجهاد فاضل

الفلسفة لم تعد في قمة الهرم المعرفي ولكنها تركت مكانها للعلم
اللحاق بالعلم ليس من الصغر ولكن من المحطة التي وقف عندها
طبيعة الحياة هي التحول وطبيعة المعرفة هي التقدم
العلم دائماً ناقص لأن قانونه الأساسي هو “قانون الخطأ”
تاريخ النقد العربي الحديث والمعاصر يحتاج إلى أكثر من قراءة، ويحتمل أكثر من تفسير، فإلى جانب من يعتبر أن الخسارة الكبرى في واقع نقدنا اليوم هي أن التفكيكية ليس لها وكلاء قانونيون، أو وكلاء مقنعون ينهلون من ينابيعها الأجنبية لإنعاش حركتنا الأدبية، يوجد من يعتبر أن البنيوية السائدة في النقد العربي اليوم هي الأكسير الذي حوّل هذا النقد من حال الى حال وبالتالي فإن الخطاب النقدي العربي المعاصر هو في مستوى الخطاب النقدي العالمي.

بالإضافة إلى هاتين الفئتين، هناك فئة ثالثة، تمتاز بشعبيتها الواسعة، ترى أن ما يحسبه البنيويون، ومن إليهم من الألسنيين والتفكيكيين، غني في منطقة النقد، ما هو إلا فقر مدقع سببه غلبة العجمة، أو الغربة، على لسان أصحابه. فالمناهج البنيوية والألسنية والتفكيكية وما إليها، والمأخوذة أخذاً حرفياً أو مشوّهاً من صندوق النقد الدولي ـ إن جاز التعبير ـ مناهج متراجعة في بلد المقصد والاعتراض عليها لا ينبع من هذا السبب وحده، بل من باب العجز عن بيئتها وتوطينها عربياً، ولأن التطبيع معها لم يتم على الصورة المرتجاة، فإنها تبدو نموذجاً صارخاً لتبعية مثقفينا للغرب، وبالتالي لفقدان هؤلاء نقطة نظام أولية تتلخص بالقول إن ما هو صالح في بلد المنشأ ليس لزاماً أن يصلح في البلد المستورد لأسباب كثيرة منها الظروف والملابسات والمرجعيات، ومنها، قبل كل شيء، اختلاف الطقس والمناخ والإقليم.

للدكتور صلاح فضل أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس بالقاهرة، وصاحب مؤلفات عدة في (البنائية)، أو البنيوية كما شاع اسمها لاحقاً، رأي مختلف. فهو يرى أن البنيوية فتح جديد في علم النقد، وأنها تقدم وجهاً جديداً للمعرفة النقدية يختلف عمّا كانت عليه المعرفة النقدية فيما سلف: بفضلها تغيّر أفق النقد، كما تغيّرت لغته، وبفضلها أصبح مشروع النقد تأسيس علم الأدب، وبفضل البنيوية وما إليها يشهد النقد العربي في الوقت الراهن فترة ازدهار حقيقي.

ثمة إذن نظرتان مختلفتان إلى هذه المناهج النقدية المستحدثة، والحوار التالي الذي يدور بين الدكتور صلاح فضل، أحد الذين أرسوا هذه المناهج وأصّلوها في بلادنا، وجهاد فاضل الباحث والناقد اللبناني، يؤلف مواجهة بين هاتين النظرتين.

سوابق بنيوية

مَن يعد إلى تراثنا النقدي القديم يجد فيه بذوراً لما يسمّى اليوم بالبنيوية، عند الجرجاني مثلاً. إذا رجعنا على سبيل المثال إلى شرح الصفدي على لامية العجم للطغرائي، فإنك تجده يشرح كل بيت بطريقة تقسمه إلى عدة مستويات، هناك مَن يرى أن تطوير نقدنا المعاصر كان يمكن أن يتم عن طريق هذه البذور القديمة بالذات لا عن طريق اصطناع مناهج لا يتمثلها نقّادنا المعاصرون تمثّلاً دقيقاً، فهم منبهرون مستعجلون للوصول إلى مجموعة من النتائج. ومن أجل ذلك، تبحث هذه المناهج عبثاً عن مستقر لها فلا تجده إلا عند نقّاد لم يتمكنوا من أن يقيموا لهم جسوراً مع القارئ، أفلم يحن الوقت المناسب بعد لإعادة النظر والتصحيح?
– اسمح لي أولاً أن أجزئ هذا السؤال إلى شطرين: الشطر الأول لا يقل أهمية عن الشطر الثاني، الأول يتعلق بسؤال الجذور في النقد العربي القديم. عناصر يمكن أن نطلق عليها (سوابق بنيوية)، والشطر الثاني هو سؤال الإنجاز، هل استطاع النقد العربي الحديث أن يقدم منجزه المستقل عن المصادر الغربية؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول، أنا لي فيه موقف حاسم ومحدد وشديد الوضوح، وهو أنه لا يمكن لناقد أن يبدع في ثقافة بينما هو مبتوت الجذور مع هذه الثقافة، عناصر النقد العربي القديم تتخلل خلايانا، تخترق شراييننا، تكوّن لون عيوننا، وهي غذاؤنا الذي تربّينا عليه، لكنها نشأت ضمن إطار فلسفي وثقافي ومعرفي محدود بطبيعة عصرها.

العصور القديمة من الواضح أنها كانت عصور ذات طابع ديني بالدرجة الأولى، أولوية الثقافة الدينية وهيمنتها هي التي تطغى على بقية فصول المعرفة، ومنجزات النقد العربي، كانت لا تخرج عن هذا الإطار في خدمة القرآن الكريم والأدب العربي القديم.

هناك بعض ملامح التشابه الجزئي بين عناصر الفكر البنيوي عندما يتحدث عن نظام العمل الأدبي، وبين نظرية النظم عند عبدالقاهر الجرجاني، كما تكشف عن ذلك دراسات نقدية حديثة، بداية بمندور ومروراً بكمال أبو ديب، وانتهاء بنقاد آخرين سجلوا ذلك.

لكنني اختلف جذرياً عنهم لأنني أعتقد أن هناك ما أطلق عليه النسق المعرفي. الفلسفة كانت في ذروة الهرم والفلسفة الدينية كانت كذلك في العصور القديمة لكن لم تعد تحتل ذروة الهرم المعرفي في العصر الحديث، أصبح العلم هو الذي يحتل هذه الذروة، والنظم غير النظام، والشعرية غير الإعجاز، وبذلك فإن نزعة القول بأنه لا جديد تحت الشمس، وبأن مكتشفات الفكر في النقد والجمال الحديث كان هناك سوابق لها، وسبق إليها المفكرون العرب، هي لون من إشباع حسّ الفخر القومي وإشباع الذات، تدليل الذات القومية، وتبريز الكسل المعرفي، مادام لدينا كل شيء، فلا حاجة بنا إذن إلى أن نتعرّف إلى الآخر ونلحق بركب العلم.

التشابهات التي يمكن أن نلحظها بين كل المناهج النقدية الحديثة ونظيراتها في إنجاز النقد العربي، واليوناني، أو غيره من أشكال النقد القديم، هي تشابهات جزئية، ولا تمسّ النظم المعرفية بأكملها، ولا النظريات التي لم تتخلق، ولم يكن لها أن تتخلق إلا في العصر الحديث بعد التقدم العلمي والإنساني والتاريخي.

هذه التشابهات الجزئية تجعلنا نستأنس مجرد استئناس، لكننا لا نستطيع أن نكتفي بها ونكفّ أو نتكاسل عن التواصل مع النظريات العلمية الحديثة، أيّاً كان مصدرها، في الشرق أو الغرب، لأنها إنسانية.

كيف نلحق بالعلم?

فيما يتصل بالجزء الثاني، هو وثيق الصلة بالجزء الأول، عندما أريد أن أنمّي البحث العلمي، البحث في العلوم الطبيعية، وكذلك في العلوم الإنسانية، عندما أريد أن أنمّي بحثاً، فمثلاً في الفلك الحديث، هل أعود إلى تجارب عباس بن فرناس في الطيران، أو أعود إلى آخر ما وصلت إليه مؤسسة (ناسا) في الفلك وغزو الفضاء، وانطلق منه؟
– ليس هناك أحمق يدعو إلى أن نبدأ العلم من الصفر، أو نبدأه مما وصل إليه الأوائل، ولكن اللحاق بقطار العلم دائماً، يكون في المحطة التي وقف عندها الآن.

معنى ذلك أنني لابد، فيما يتصل بنظريات اللغة، نظريات الاقتصاد، نظريات السياسة، نظريات الاجتماع، من العبث أن أتصوّر أن المنطلق الصحيح هو أن أبدأ من ابن خلدون، من الماوردي، أو من ابن جنّي، أو غير ذلك. لا أتجاهلهم إطلاقاً، إنما لكي ألحق بركب العلم، لابد أن ألحق به في المحطة التي يقف عندها الآن لكي أستطيع لا امتلاك الماضي العلمي وحسب، والاعتماد عليه، وإنما الانطلاق إلى المستقبل.

كان لابد – إذن – للمعرفة بالأدب والنقد أن تتواشج وتلتحق بهذا الركب العالمي.

ولكن السؤال يظل قائماً: هل سنظل أسرى له؟
– أستطيع أن أقول بثقة مطمئنة جداً، إن هناك نقّاداً عرباً بدأوا من حركة النقد العالمي يضيفون إليه الآن، سأذكر نموذجين على ذلك: نموذجاً لنقّاد يكتبون بلغات أوربية واعتُبروا في عداد النقاد العالميين لأن اللغة ليست حاجزاً بينهم وبين العالمية. ثلاثة أسماء: إدوارد سعيد، إيهاب حسني، مصطفى صفوان. هؤلاء نقّاد عرب مصريون وفلسطينيون يكتبون نقداً أدبياً رفيعاً من الدرجة الأولى يدخل في صميم النقد العالمي وإنجازاته المعاصرة.

وإلى جوار هؤلاء هناك، على الأقل، عشرة نقّاد عرب الآن يكتبون باللغة العربية إضافات ومنجزات حقيقية لو تُرجمت إلى اللغات الأجنبية لدخلت في الضمير الذي يؤرخ ويرصد التقدم العلمي في النقد الحديث.

مَن يقل إنه ليس لدينا إضافات لهذه التيارات، لم يقرأ النقد العربي، ولا يعرف أبعاده، ولا يستطيع أن يقيس حقيقة مدى إنجازه.

أنا أحسب – ولستُ في ذلك مغالياً ولا مخدوعاً ولا مخاتلاً – أن الخطاب النقدي العربي اليوم هو في مستوى الخطاب العالمي، وهو يضيف إليه أمرين: الأمر الأول هو طبيعة التكليف الذي يصنعه الناقد العربي لمنهجه، والتركيب الجديد الذي يقدمه بوعيه، مستخدماً ثلاثة منابع أساسية: المنبع الأول جذوره المتعمّقة في التراث الثقافي العربي مما يفتقده أي ناقد آخر في أي ثقافة أخرى. المنبع الثاني محصلة المعرفة العلمية في النقد العالمي كما يطلع عليها الناقد العربي الآن ويشترك فيها مع النقّاد العالميين.

المنبع الثالث احتكاكه بالإبداع والواقع الإبداعي المعاصر وممارسته النقد فيه لأنني أبدع في نقد الرواية بشكل متميز عندما أدرس رواية نجيب محفوظ أوعبدالرحمن منيف أو حنا مينة أو جمال الغيطاني أو بهاء طاهر أو إدوار الخراط أو صنع الله إبراهيم، بما لا يستطيع ناقد إنجليزي – مثلاً – أن يُبدع به عندما يدرس روائييه أو شعراءه، لأن هذا الواقع الإبداعي، هذه المحصلة ذاتها، تمدّني بغذاء ينمّي النظرية ويكيفها ويطبعها بطابعها العربي. فنظرية علمية وإنسانية، وتطبيقاتها على الأدب العربي، يجعل لها مذاقها الخاص، ولونها المتميز، وتحقق في النهاية، حصادها ومنجزها المتميز.

التبعية الثقافية

ما تصوّرونه على أنه غنى في حاضر النقد العربي بسبب البنيوية وما إليها يضعه كثيرون في خانة الفقر أو التبعية الثقافية للخارج. البنيوية متراجعة حتى في بلد المصدر، وفي بلادنا لو أجريت استفتاء بين المثقفين المتابعين لحركة النقد لكانت النتيجة أن الأكثرية المطلقة تمرّ بمثل هذا النقد البنيوي مرور الكرام لأنها لا تفهمه، وتترحّم على مرحلة النقد التأثري التي كان من أبطالها زكي مبارك في مصر ومارون عبود عندنا في لبنان؟
– أولاً مَن يقل إن النظريات الأدبية تتراجع، يسىء التشخيص لأنها تتوالد. هل الأم تتراجع أمام ابنتها? بالتقدير، الفتاة أجمل من أمها وأكثر رشاقة وفتنة، لكنها لا تمثّل تراجعاً للأم، تمثل نموّاً وامتداداً جميلاً لها، فهناك نظريات تتوالد ولا تتراجع.

هذه واحدة، الترحّم على العصر القديم، هذه صفة إنسانية وطبيعية وقد أشارك فيها، لكن الملاحظة الأساسية في هذه النقطة من الحوار تتمثّل في ما يلي: دائماً في كل العصور هناك نقّاد مبدعون، متمكّنون، أساتذة، يعرفون كيف يديرون نقدهم، يعرفون كيف يوجّهون خطابهم، يعرفون كيف يملكون قارئهم. وهناك نقّاد متلعثمون، ضعاف، تلامذة، من أنصاف المواهب، يسيئون إلى النقد، ويسيئون إلى القارئ، ويكادون يجعلونه يكره الأدب والنقد عندما يقرأهم.

في كل جيل دائماً نجد هذه المستويات، في جيل طه حسين، في جيل مندور، يمكن أن نعدّ خمسين ناقداً آخرين انتهت كتاباتهم إلى مزبلة التاريخ لأنهم لم يستطيعوا أن يتواصلوا، أن يملكوا رؤية مستقبلية، أن يملكوا حكمة، ولا بصيرة ولا نفاذا ولا جمال ولا سلاسة، ولا فتنة لغة محمد مندور.

بقي مندور لأنه يحقق هذه الشروط، ومات الآخرون، وكما يبقى لويس عوض وكما يبقى مارون عبود، وكما يبقى حسين مروة، وكل هذا الجيل المؤسس للخطاب النقدي العربي.

من النقاد البنيويين هناك تلامذة متلعثمون ضعاف لا يملكون موهبة وليست لديهم قدرة على التواصل، ولذلك لعنهم قرّاؤهم، ولعنهم مَن يقف معهم في الصف نفسه أيضاً لأنهم أساءوا إلينا، لكن لا تحاسب كتابات الكبار التي ستبقى، بجرائم هؤلاء الصغار.

لدينا، في مصر وفي البلاد العربية، نقّاد كبار يمارسون النقد الحداثي، ولديهم قدرة كبيرة وعالية جداً على التواصل مع جذورهم، لهم قرّاؤهم، لغتهم بالغة التشويق والجمال والامتلاء بالكثافة العلمية والذوق الفني في الآن ذاته. وأعتقد أن أعمال هؤلاء هي التي ستبقى. أما أعمال التلاميذ والمتدربين والمبتدئين وأنصاف الهواة ومَن لا يتقنون هذه الأشياء، من لا يفعلون سوى الطنطنة بالمصطلحات والتفاصح بالكلمات الغريبة، فهي هراء لا حياة له، لا نستطيع أن نحكم على تيّار النقد الحديث العربي المبدع الخلاّق بهذه الأعمال الرديئة.

والمصفاة الحاسمة في ذلك هي مصفاة التاريخ، وهو الذي أحتكم إليه وسوف يبقى التاريخ – في تقديري – نماذج عدة تكون محدودة جداً لا تزيد على عشرة بالمئة مما يكتبه النقّاد اليوم، لكنها هي التي تمثل ضمير النقد العربي في الفترة الراهنة وخميرته للفترة المستقبلة وهي التي تشكّل الجيل الجديد، وليس مسارنا عبثاً، ولا استراتيجيتنا خاطئة، ولا أننا يتعين علينا أن نتراجع.

أنا أطرح سؤالاً بسيطاً جداً في مواجهة هؤلاء الناقدين الذين تتحدث عنهم: ماذا كان يرضيكم من جيلنا أن يفعل نقدياً، هل كان يرضيكم أن نظل نكرر كالببغاوات مقولات مندور وغنيمي هلال ومحمود أمين العالم دون أن نضيف إليها وعياً ومعرفة أو علماً أو جديداً؟

أظننا لو فعلنا ذلك لم يكن يحق لنا أن نقدم جيلاً في عظمة تلامذة هؤلاء.

إذن طبيعة الحياة هي التحوّل، وطبيعة المعرفة هي التقدم ولا جدوى من سبّ التاريخ، ولا جدوى من لعن التطور، ولا جدوى من أن يطغى علينا الحنين إلى الماضي إلى الدرجة التي نعتبر فيها الحاضر خطأ كبيراً لم يكن يجب أن يُقترف.

أنا أعتقد أن النقد العربي المعاصر لم يكن على الإطلاق خطأ، ولم يكن إثماً، ولا جريمة في حق الثقافة العربية، بل ضخّ في عروقها دماً جديداً ونهجاً علمياً جديداً لم يلبث أن يتعدى النقد الأدبي إلى وجوه المعرفة الأخرى باللغة والمجتمع والاقتصاد والثقافة لكي يقدم طابع العصر في المعرفة الشاملة للإنسان وفي التحليل العلمي الدقيق لمنجزات هذا الإنسان.

لست أسير شعار محدد

هل يمكن أن نصنّف جهدكم النقدي في إطار البنيوية دون سواها، أم أن لكم مصادركم النقدية الأخرى؟
– أنا لم أرفع أيّ شعار، ولا أرضى بأن يُحصَر مجهودي النقدي في نطاق البنيوية لأن لي مركبي النقدي الخاص، بعض عناصره يستمدها من البنيويات المختلفة، وبعض عناصره الأخرى يستمدّها من رؤيتي للواقع الأدبي ودرجات امتصاصي من الثقافة العربية القديمة، وهو مركب لا أحب أن أضع عليه (تيكيت)، (هذه صناعة بنيوية)، لأنه مركب شديد التعقيد والثراء، ويختلف جوهرياً عن بنيوية أو ما بعد بنيوية أي ناقد في أي قطر عربي آخر.

الانبهار بالمنهج

مثقفون عرب كثيرون، منهم الطيب صالح، يرون أن هناك شيئاً يمكن تسميته بـ(الهوس بالمنهج).. انبهار بالمنهج، احتذاء المنهج احتذاءً آلياً أو ورعاً، لا بأس بالمنهج طبعاً، ولكن على ألاّ يستعبد صاحبه فيتحول إلى أسير أو عبد له، النقد هو المرونة والحرية وليس غير ذلك؟
– أحيلك يا سيدي لمقدمة كتاب لي أعتز به، وقد وافقني في ذلك مجموعة محكمين أساتذة كبار منحوه جائزة من أرفع الجوائز العربية هي جائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر. هذا الكتاب هو (أساليب الشعرية المعاصرة). في مقدمة هذا الكتاب قدمت الصورة التالية: قلت إنني سأحاول أن أشكّل نظرية في الشعرية، واضعاً لها خطوطها المنهجية الدقيقة، وسأحاول أن أعرض هذه النظرية على الإبداع الشعري العربي لكي أعدّلها به وأختبرها في ضوئه، وأصنّف تياراته وأساليبه طبقاً لها. لكنني أستحضر دائماً أن العمل الشعري مثل العصفور، وأنك إذا أردت أن تحبسه في منهج، فلابد أن يكون هذا المنهج وسيعاً مثل القفص، حتى يستطيع أن يتنفس العصفور ويتحرّك، إذ لو أطبقت عليه بمنهج ضيق، لخنقته، وعندما ستنظر إلى جثته ميتة فسوف لا يفيدك المنهج في شيء لبعث الحياة فيه لكي يطير رشيقاً مرة أخرى.

أقصد بذلك شيئاً بالغ الأهمية، وهو مراعاة المسافة دائماً بين المنهج والتطبيق، وممارسة أكبر قدر من الحرية عند تطبيق المنهج لكي تستطيع أن تعدّله وأن تضيف إليه وتغيّره في ضوء الإبداع، إن لم تتمتع بهذا الهامش من الحرية الخلاّقة التي تميز الناقد الكبير، فلست سوى تلميذ متخلّف في صف دراسي يمارس تطبيقات تافهة لا قيمة لها.

وليس هناك منهج واحد وحيد بالطبع؟
– إطلاقاً، بل أكاد أقول إن لكل منّا بناءه المنهجي ورؤيته وخلفيته المعرفية، وأدواته، واستراتيجيته في التطبيق، ولا يجدر أبداً أن تعمّم حكماً لأن الطيب صالح على طيبته وصلاحه الجميلين، وعلى إبداعه الروائي الرائق الجميل، يراقب الأشياء من الخارج تماماً، لا يعرف مكابدة الممارسة النقدية، كيف ينبغي لك ألاّ تترك لهواك العنان، كيف ينبغي لك أن تتمثل القانون، المعيار، دون أن تطلق أحكاماً قاطعة، وأن تكون بالدرجة نفسها التي تلتزم فيها بمنظومة من المعايير الموضوعية والجمالية الخلاّقة المرتبطة بنمو الفكر النقدي من المرونة القضائية بحيث يصبح لكل حالة ملابساتها، ولكل حادثة ظروفها، ولكل حكم قضائي حيثياته الخاصة.

عود إلى صورة القانون لأنها هي أقرب ما تكون إلى صورة المنهج.

إن النقد – في رأي الكثيرين – علم ناقص، مهما تطوّرت مناهجه وإجراءاته وأساليبه، فهل أنت من هذا الرأي؟
– أنا أؤكد هذا الرأي لأكثر من سبب، السبب الأول أن النقد يريد أن يجمع بين العلم والفن، وكل أنواع العلم علم ناقص لأن القانون الأساسي في العلم هو قانون الخطأ.

هناك ظواهر طبيعية نفترض قانوناً يفسّرها الآن، ثم لا يلبث الزمن أن يكشف لنا نقص هذا القانون. نقيم فرضاً آخر للقانون، لكي نتفادى النقص، وهكذا…

العلم دائماً ناقص، والجانب العلمي في النقد يجعله ساعياً نحو تصويب أخطائه باستمرار.

سبب آخر مرتبط بالجانب الفني فيه، أن النقد يقع في ثلاث دوائر: دائرة النظرية ودائرة المنهج ودائرة الممارسة التطبيقية على النصوص الفعلية.

النظرية هي الإطار الفلسفي، والمنهج هو الجهاز المصطلحي والمفاهيمي، والممارسة على النصوص النقدية.

بما أن هذه النصوص الإبداعية في متجددة دائماً،فإن الحصيلة الشعرية اليوم تختلف عمّا كانت منذ خمسين عاماً، وهي ستختلف بعد خمسين عاماً، مما هي عليه اليوم.. وكذلك الرواية، والمسرحية، والكتابات الأخرى، والجماليات البصرية الجديدة، فلابد للنقد من أن يتجدد بتجدد موضوعه، ولابد أن يستكمل نواقصه باستكمال تغطية الجديد في مجال ومادة دراساته، فإنه ناقص، هذه شهادة له، وليست عليه.

عندما يكون نقد فلسفي، دوجماطيقي، أيديولوجي، ينحصر في نظرية علمية جاهزة لا تقبل الحركة ولا تخضع للتطوّر ولا تستجيب لمتغيّرات التاريخ، وتتوهّم أنها كلية، وأنها كاملة، وأنها غير ناقصة.

ليست دعوى الكمال أو الاكتمال سوى وهم الضعف واللاعلمية. وأنا دائماً أتمنى أن يكون النقد أبعد ما يكون عن دعوى الكمال.

بل إن النقد الأدبي يرتبط بأساسه الجذري في الوعي، وهو الوعي النقدي ذاته، والوعي النقدي بطبيعته مضاد للكمال، هو مضاد لدعوى الاكتمال، ووظيفة النقد أن ينبهنا دائماً إلى أخطائنا، ووظيفة النقد أن يشحذ فينا القدرة على تصويب هذه الأخطاء باستمرار.

تحدّثت مرة مع الأستاذ محمود أمين العالم عن البنيوية، كان رأيه في هذه النظرية رأياً سلبياً، قال لي إن تسليط البنيوية على قصيدة أو على مجموعة شعرية قد يكون شبيهاً بتسليط دبابة على حقل زهور.
– أنا أذكر أن هذا التشبيه ذاته استخدمه المفكّر والناقد الفرنسي الشهير جريماس في مناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الباحث والناقد الدكتور عبدالكريم حسن عن شعر السياب. قال له غريماس أن شعر السياب مثل الحديقة الصغيرة الجميلة، وأنت بدلاً من أن تحرثها بيدك، بفأسك، سلّطت عليها بلدوزرا أو دبابة كبيرة لكي تحرث حقلاً صغيراً.

أنا أظن أن الموقفين مختلفان لأسباب عدة، السبب الأول هو إن شعر السياب ليس حقلاً صغيراً، قد يكون في نظر ناقد فرنسي حقلاً صغيراً، في رأيي، أنه من أنضج وأجمل الغابات، وليس مجرد حديقة زهور صغيرة، بل غابات مازالت بحاجة إلى الكشف وإلى الجولات بمختلف الأنواع، ليس لقطع الأشجار، وليس لتغريبها، وإنما لقياسها وتحليلها، النقد بطبيعته لا يقتلع نباتاً أخضر، وإلاّ لم يعد نقداً. لو قلنا: تسليط أكبر قدر من الأشعة النافذة التي تخترق العظام لكي تصوّر ما وراءها، لكان التشبيه أقوى، وليس هناك مَن يعيب طبيباً يريد أن يكتشف أدق أسرار الجسم بحجة أن الجسم لا يحتمل فعل هذا الطبيب.

النقد البنيوي وما بعده يريد أن ينمّي جهازه المعرفي، وأدواته التحليلية، لكي يتعمّق في بحث كل النظم: اللغة والإشارات الجمالية والثقافية في النصوص الأدبية.

أعتقد أن إمعانه في ذلك لا يفسده إلا شيء واحد: ضعف الناقد عن الربط بين المجالات المختلفة، لكن عندما يمتلك الناقد المنهج والحسّ المعرفي والقدرة على تقديم الرؤية الكلية وصوغها بلغة جميلة، في نهاية التحليل، فإننا سوف نستبدل بصورة الدبابة المدمّرة صورة الأشعة الكاشفة التي تزيدنا استمتاعاً بالنصوص الجمالية ومعرفة بتكوينها.

ربما تكون هناك بعض أشكال اللذة في المقاربة النصيّة التي قد يفسدها التحليل، لكن – في تقديري – أن المعرفة لها اللذة العظمى، وأن متعة الجهد لا يمكن أن تضاهي متعة المعرفة.